د.ايكولجي
08-20-2006, 10:21 AM
جمال الكلمة هو جمال الجمالات..
الفنون كلها كلمات... الموسيقا كلمة على فم الوتر... والرسم كلمة على فم اللون... والنحت كلمة على فم المرمر.... والنجوم في السماء، والعيون الجميلة كلها تنتظر من يقولها ومن يسمعها ومن يفهمها..
إنها الكلمات الذكيات، الأنيقات، الدبلوماسيات التي تفوق قوتها أعظم قوة توصل لها الإنسان كالكهرباء، أو الطاقة النووية..
إنه الحوار الذي يقوم على أناقة الكلمة، وكياسة الموقف، واتزان الرأي، والبديهة الحاضرة، والحنكة الدقيقة...
فالحوار هو هذا الفن الراقي من الفنون الإنسانية.. وللحوار رجاله وأهله، لأنه الموهبة التي تتضافر مع الكاريزما، فتمتزج مع مستوى وعي الفرد ودرجة ثقافته..
إنه وسيلة الإنسانية المدنية الأكثر حضارة واستيعاباً، وهو الأداة الفضلى التي ما خيبت المحنكين في استخدامها والعارفين لقواعدها..
فبالحوار عالجت الإنسانية على مر العصور خلافاتها وأدارت أزماتها بعد أن كلت القوة، فردمت مسافات التناقضات والتعارضات فيما بينها..
إنه المدخل لفهم الذات أولاً، وفهم الآخر ثانياً، وإدراك العالم ثالثاً..
وهي مقومات ثقافة الحوار التي من خلالها تستطيع إنتاج المفاهيم والقناعات، والجوامع المشتركة التي تشكل الأرضية التي نلتقي فيها مع الآخر..
وإذا كان للحوار هذه الأهمية الكبرى في حياة الأمم والأوطان والناس.. فإن له قواعده وشروطه الأساسية وهي:
1 . الشفافية: ونعني بها مصداقية الطرح عبر الاعتراف بالآخر، لأنك لا تستطيع فهم موضوع دون إبداء قدر من التعاطف معه... والحقيقة موزعة دائماً بين طرفين أو أطراف عدة... وينبغي ألا نتعجل في الحكم على الأشياء أو حسم النتائج، فالخيل الأصلية لا تظهر إلا في آخر السباق..
2. الموضوعية: التي تتحقق من خلالها حيادية الموقف، وترويض النفس على الترفع عن الانحياز لجهة، أو لفكرة، أو لطرح.. ما يحثنا على دراسة التجربة بوعي وتوازن، وتقويمها في شموليتها وتوجهها العام.. فكما نشير إلى السلبيات ينبغي التوقف عند الإيجابيات.. وإلا فإننا عندما نتورط برؤية تجربة ما بعين واحدة نكون تماماً كمن لا يرى في لوحة زيتية إلا لوناً واحداً، متعامياً ومصراً على تجاهل الألوان الأخرى.. وعندئذٍ نكون قد عمدنا إلى هدم التجربة كي نبحث بين أنقاضها عن سلبيات تضخمها بعوامل وأهواء ذاتية محضة، ونقدمها على أساس أنها هي جوهر التجربة بكاملها...
3. قبول الرأي الآخر: وهذا يعني ببساطة شديدة أن الاعتراف بالرأي الآخر هو طريق ذو اتجاهين معاً، فكما أوافق على تفهم رأيك من دون تسفيه، ينبغي أن يكون لديك الاستعداد الكامل لسماع رأيي، وتفهم هواجسي...
الحقيقة ليست ملكية حصرية لشخص أو انتماء أو قومية أو معتقد مها ارتفعت نسبة الإقناع وتعددت مظاهره وبراهينه..
وهذا انسجام مع مقولة الإمام علي: "من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركهم في عقولهم".
وهنا تظهر لنا أهمية الاعتراف بالآخر لامتلاكه شكلاً من أشكال الحقيقة أو جزءاً منها...
قال فولتير: "قد اختلف معك في الرأي، ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً لحقك في الدفاع عن رأيك".
فيما يرى (بارون): أن دلائل الغباء ثلاثة: "العناد، والغرور، والتشبث بالرأي".
ولا شك في أن أكثر الناس حمقاً من ظن نفسه أعقل الناس...
فيما يرى أحد الفلاسفة أن أغبى الأ***اء من يعتقد أنه الأذكى...
الحقيقة أن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس كما يرى (ديكارت)... فما من أحد إلا وهو مطمئن إلى أنه قد أوتي كفايته منه حتى المعاقون والمجانين يعتقدون أنهم نالوا كفايتهم منه..
وإذا كان الحوار هو هذه الوسيلة الإنسانية الحضارية لعلاج كل الأزمات، والمدخل لفهم الآخر وتشكيل الفضاء المشترك.. فإنه لمن المؤسف حقاً أن نرى في زماننا هذا من يمعن في الانحراف عن جادة العقل والصواب، فيجافي الحوار وسيلةً عريقةً، ويجنح بفكره المتطرف وأحقاده باتجاه ما قبل العصور الوسطى، فيشذ بذلك عن أبسط قواعد الحوار، ويستطيب لغة غرائزية، سوقية، اندفاعية يغلب فيها الصراخ والردح على لغة العقل والمنطق من أجل نفي الآخر، وتغليب الاعتبارات الكيدية، وفرض رؤية أحادية يعتقدها الصواب عينه.. فيما لا يعبر السجال والضجيج والصراخ ونفي العقل إلا عن إفلاس أصحابها وعجزهم عن فتح حوار بناء عقلاني، فالصدق لا يحتاج إلى صراخ على حد زعم (مكسيم غوركي). وقد علمتني التجربة أن أعظم الأنهار عمقاً أقلها هدراً...
إنه من الطبيعي جداً أن نكون مختلفين، لكن علينا ألا نبقى متخالفين.. هذه هي قاعدة الحوار الأساسية التي تنم على فكر يفهم تعددية الواقع الإنساني وتنوعه..وفي هذا يقرر (سيروس) "أن الرأي المسبق يقطع الطريق على أي تفكير".
وهؤلاء الذين يقطعون الطريق برأي مسبق، وموقف مغلق لا يريدون خدمة الحق والحقيقة، بل يريدون محاصرتها بالأنا المتضخمة، فيجدون ضالتهم في رداءة اتهاماتهم، ودونية ألفاظهم..
فالتطرف هو الحالة الغرائزية الاندفاعية، البدائية التي تعكس ـ بتقديري ـ مأزقاً كبيراً يعانيه المتطرف في فكره ورأيه وموقفه. كونه غير قادر على رؤية الآخر واستجلاء عوالمه.. ناهيك عن أن التطرف يخدم الخصم دائماً ويصب في مصلحته دون أن يدري المتطرفون والمتعصبون أي خدمة كبرى يقدمون لخصومهم فيما يفعلون..
إنها دعوة خالصة إلى الحوار الصادق البناء حوار مع الذات. وحوار مع الآخر، وحوار مع العالم.. فالحوار العقلاني الهادئ ينبغي أن يكون خياراً نهائياً وحاسماً، والاعتراف بالآخر هدفاً.. فإلى كلمة مسؤولة تداوي ولا تجرح.. وإلى مواقف عقلانية موضوعية تقرب ولا تبعد.
لنسر جميعاً إلى هذا الحوار الذي يحقق أفض النتائج..
بقلم/ الدكتور سامر عبد الغني
الفنون كلها كلمات... الموسيقا كلمة على فم الوتر... والرسم كلمة على فم اللون... والنحت كلمة على فم المرمر.... والنجوم في السماء، والعيون الجميلة كلها تنتظر من يقولها ومن يسمعها ومن يفهمها..
إنها الكلمات الذكيات، الأنيقات، الدبلوماسيات التي تفوق قوتها أعظم قوة توصل لها الإنسان كالكهرباء، أو الطاقة النووية..
إنه الحوار الذي يقوم على أناقة الكلمة، وكياسة الموقف، واتزان الرأي، والبديهة الحاضرة، والحنكة الدقيقة...
فالحوار هو هذا الفن الراقي من الفنون الإنسانية.. وللحوار رجاله وأهله، لأنه الموهبة التي تتضافر مع الكاريزما، فتمتزج مع مستوى وعي الفرد ودرجة ثقافته..
إنه وسيلة الإنسانية المدنية الأكثر حضارة واستيعاباً، وهو الأداة الفضلى التي ما خيبت المحنكين في استخدامها والعارفين لقواعدها..
فبالحوار عالجت الإنسانية على مر العصور خلافاتها وأدارت أزماتها بعد أن كلت القوة، فردمت مسافات التناقضات والتعارضات فيما بينها..
إنه المدخل لفهم الذات أولاً، وفهم الآخر ثانياً، وإدراك العالم ثالثاً..
وهي مقومات ثقافة الحوار التي من خلالها تستطيع إنتاج المفاهيم والقناعات، والجوامع المشتركة التي تشكل الأرضية التي نلتقي فيها مع الآخر..
وإذا كان للحوار هذه الأهمية الكبرى في حياة الأمم والأوطان والناس.. فإن له قواعده وشروطه الأساسية وهي:
1 . الشفافية: ونعني بها مصداقية الطرح عبر الاعتراف بالآخر، لأنك لا تستطيع فهم موضوع دون إبداء قدر من التعاطف معه... والحقيقة موزعة دائماً بين طرفين أو أطراف عدة... وينبغي ألا نتعجل في الحكم على الأشياء أو حسم النتائج، فالخيل الأصلية لا تظهر إلا في آخر السباق..
2. الموضوعية: التي تتحقق من خلالها حيادية الموقف، وترويض النفس على الترفع عن الانحياز لجهة، أو لفكرة، أو لطرح.. ما يحثنا على دراسة التجربة بوعي وتوازن، وتقويمها في شموليتها وتوجهها العام.. فكما نشير إلى السلبيات ينبغي التوقف عند الإيجابيات.. وإلا فإننا عندما نتورط برؤية تجربة ما بعين واحدة نكون تماماً كمن لا يرى في لوحة زيتية إلا لوناً واحداً، متعامياً ومصراً على تجاهل الألوان الأخرى.. وعندئذٍ نكون قد عمدنا إلى هدم التجربة كي نبحث بين أنقاضها عن سلبيات تضخمها بعوامل وأهواء ذاتية محضة، ونقدمها على أساس أنها هي جوهر التجربة بكاملها...
3. قبول الرأي الآخر: وهذا يعني ببساطة شديدة أن الاعتراف بالرأي الآخر هو طريق ذو اتجاهين معاً، فكما أوافق على تفهم رأيك من دون تسفيه، ينبغي أن يكون لديك الاستعداد الكامل لسماع رأيي، وتفهم هواجسي...
الحقيقة ليست ملكية حصرية لشخص أو انتماء أو قومية أو معتقد مها ارتفعت نسبة الإقناع وتعددت مظاهره وبراهينه..
وهذا انسجام مع مقولة الإمام علي: "من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركهم في عقولهم".
وهنا تظهر لنا أهمية الاعتراف بالآخر لامتلاكه شكلاً من أشكال الحقيقة أو جزءاً منها...
قال فولتير: "قد اختلف معك في الرأي، ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً لحقك في الدفاع عن رأيك".
فيما يرى (بارون): أن دلائل الغباء ثلاثة: "العناد، والغرور، والتشبث بالرأي".
ولا شك في أن أكثر الناس حمقاً من ظن نفسه أعقل الناس...
فيما يرى أحد الفلاسفة أن أغبى الأ***اء من يعتقد أنه الأذكى...
الحقيقة أن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس كما يرى (ديكارت)... فما من أحد إلا وهو مطمئن إلى أنه قد أوتي كفايته منه حتى المعاقون والمجانين يعتقدون أنهم نالوا كفايتهم منه..
وإذا كان الحوار هو هذه الوسيلة الإنسانية الحضارية لعلاج كل الأزمات، والمدخل لفهم الآخر وتشكيل الفضاء المشترك.. فإنه لمن المؤسف حقاً أن نرى في زماننا هذا من يمعن في الانحراف عن جادة العقل والصواب، فيجافي الحوار وسيلةً عريقةً، ويجنح بفكره المتطرف وأحقاده باتجاه ما قبل العصور الوسطى، فيشذ بذلك عن أبسط قواعد الحوار، ويستطيب لغة غرائزية، سوقية، اندفاعية يغلب فيها الصراخ والردح على لغة العقل والمنطق من أجل نفي الآخر، وتغليب الاعتبارات الكيدية، وفرض رؤية أحادية يعتقدها الصواب عينه.. فيما لا يعبر السجال والضجيج والصراخ ونفي العقل إلا عن إفلاس أصحابها وعجزهم عن فتح حوار بناء عقلاني، فالصدق لا يحتاج إلى صراخ على حد زعم (مكسيم غوركي). وقد علمتني التجربة أن أعظم الأنهار عمقاً أقلها هدراً...
إنه من الطبيعي جداً أن نكون مختلفين، لكن علينا ألا نبقى متخالفين.. هذه هي قاعدة الحوار الأساسية التي تنم على فكر يفهم تعددية الواقع الإنساني وتنوعه..وفي هذا يقرر (سيروس) "أن الرأي المسبق يقطع الطريق على أي تفكير".
وهؤلاء الذين يقطعون الطريق برأي مسبق، وموقف مغلق لا يريدون خدمة الحق والحقيقة، بل يريدون محاصرتها بالأنا المتضخمة، فيجدون ضالتهم في رداءة اتهاماتهم، ودونية ألفاظهم..
فالتطرف هو الحالة الغرائزية الاندفاعية، البدائية التي تعكس ـ بتقديري ـ مأزقاً كبيراً يعانيه المتطرف في فكره ورأيه وموقفه. كونه غير قادر على رؤية الآخر واستجلاء عوالمه.. ناهيك عن أن التطرف يخدم الخصم دائماً ويصب في مصلحته دون أن يدري المتطرفون والمتعصبون أي خدمة كبرى يقدمون لخصومهم فيما يفعلون..
إنها دعوة خالصة إلى الحوار الصادق البناء حوار مع الذات. وحوار مع الآخر، وحوار مع العالم.. فالحوار العقلاني الهادئ ينبغي أن يكون خياراً نهائياً وحاسماً، والاعتراف بالآخر هدفاً.. فإلى كلمة مسؤولة تداوي ولا تجرح.. وإلى مواقف عقلانية موضوعية تقرب ولا تبعد.
لنسر جميعاً إلى هذا الحوار الذي يحقق أفض النتائج..
بقلم/ الدكتور سامر عبد الغني